ابن قتيبة الدينوري

11

الإمامة والسياسة ( بيروت )

وقد جاء الحسين الخبر [ ( 1 ) ] ، فهم أن يرجع ومعه خمسة من بني عقيل فقالوا له : أترجع وقد قتل أخونا ، وقد جاءك من الكتب ما نثق به ؟ فقال لبعض أصحابه : واللَّه ما لي عن هؤلاء من صبر ، يعني بني عقيل . قال : فلقيه الجيش على خيولهم بوادي السباع ، فلقوهم وليس معهم ماء . فقالوا : يا بن بنت رسول اللَّه اسقنا . قال : فأخرج لكل فارس صحفة من ماء ، فسقاهم بقدر ما يمسك برمقهم . ثم قالوا : سر يا بن بنت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، فما زالوا يرجونه ، وأخذوا به على الجرف حتى نزلوا بكربلاء ، فقال الحسين : أي أرض هذه ؟ قالوا : كربلاء ، قال : هذا كرب وبلاء . قال : فنزلوا وبينهم وبين الماء ربوة ، فأراد الحسين وأصحابه الماء فحالوا بينهم وبينه . فقال له شهر بن حوشب : لا تشربوا منه حتى تشربوا من الحميم ، فقال عباس بن عليّ : يا أبا عبد اللَّه ، نحن على الحقّ فنقاتل ؟ قال : نعم . فركب فرسه ، وحمل بعض أصحابه على الخيول ، ثم حمل عليهم فكشفهم عن الماء حتى شربوا وسقوا . ثم بعث عبيد اللَّه بن زياد عمرو [ ( 2 ) ] بن سعيد يقاتلهم . 236 قال الحسين : يا عمرو [ ( 2 ) ] ، اختر مني ثلاث خصال ، إما أن تتركني أرجع كما جئت ، فإن أبيت هذه فأخرى ، سيّرني إلى الترك أقاتلهم حتى أموت ، أو تسيّرني إلى يزيد فأضع يدي في يده ، فيحكم فيّ بما يريد [ ( 3 ) ] . فأرسل عمرو [ ( 2 ) ] إلى ابن زياد بذلك فهمّ أن يسيره إلى يزيد . فقال له شهر [ ( 4 ) ] بن حوشب : قد أمكنك اللَّه من عدوك وتسيره إلى يزيد ، واللَّه لئن سار إلى يزيد لا رأى مكروها ، وليكوننّ من يزيد بالمكان الّذي لا تناله أنت منه ، ولا غيرك من أهل الأرض ، لا تسيره ولا تبلعه ريقه حتى ينزل على حكمك . قال : فأرسل إليه يقول : لا ، إلا أن تنزل على حكمي . فقال الحسين : أنزل على حكم ابن زانية ؟ لا واللَّه لا أفعل ، الموت دون ذلك وأحلى . قال : وأبطأ عمرو بن سعيد [ ( 2 ) ] عن قتاله . فأرسل عبيد اللَّه بن زياد إلى شهر بن حوشب [ ( 4 ) ] إن تقدم

--> [ ( 1 ) ] تلقاه رجل من بني أسد ، بعد رحيله من زرود ( الأخبار الطوال 247 ) . [ ( 2 ) ] كذا بالأصل عمرو بن سعيد خطأ ، وهو عمر بن سعد وقد تقدم . وكان من أمر عمر بن سعد أن عبيد اللَّه بن زياد ولاه الري وثغر دستبى والديلم وكتب له عهدا عليها ثم حدث أمر الحسين ، فأمره ابن زياد أن يسير لمقاتلته ، فتلكأ عمر وكره محاربة الحسين ، فهدده ابن زياد برد عهد ولايته وتغريمه ونهب أمواله وأملاكه فرضخ لأمره ، وسار بعسكره أربعة آلاف فارس لمحاربة الحسين ( الطبري - الأخبار الطوال ) . [ ( 3 ) ] في الطبري : فيرى فيما بيني وبينه رأيه . [ ( 4 ) ] في الطبري : شمر بن ذي الجوشن .